ترامب ومادورو ودرس فلسطين

٦١ مشاهدة
حين قال دونالد ترامب في مطلع ولايته الرئاسية إن السيطرة على كندا وبنما وغرينلاند ضرورة أميركية بدا ذلك مزحة سمجة يختبر فيها الرجل حدود الخطاب ويقيس مقدار ما يمكن أن يقال بلا ثمن لكنه اليوم حين يقول بعد عملية عسكرية خاطفة إنه سيدير بلدا قبض على رئيسه فنحن أمام لحظة إعادة تعريف لمعنى السيادة الوطنية في القرن الحادي والعشرين سيادة قابلة للتعليق حين تتعارض مع مصلحة القوي تقليديا غلفت أشد سيناريوهات التدخلات الأميركية وقاحة بمفردات الديمقراطية وحقوق الإنسان ولو على سبيل الاستهلاك الإعلامي مع ترامب الأمر أكثر فجاجة فتقال فكرة إدارة فنزويلا علنا ويلوح بإعادة تأهيل القطاع النفطي فيها عبر شركات أميركية وكأنه بند طبيعي في برنامج سياسي يمكنك أن تضع جانبا بضمير سياسي مطمئن محاولات ماركو روبيو تلطيف الصورة حين قال إن واشنطن لن تحكم فنزويلا مباشرة فليس من فرق جوهري إن كانت الإدارة حرفية عبر موظفين أميركيين أم عبر حزمة عقوبات ونفط وأسماء محلية تمسك بمفاصل الدولة المهم أن القوة أعلنت حقها في الإمساك بدفة السفينة الفنزويلية ولو مؤقتا لكن المؤقت يترك أيضا ندوبا دائمة في خرائط التاريخ والسياسة قد تملك المحاكم الأميركية لائحة اتهام طويلة ضد نيكولاس مادورو لكن تحويل القضاء إلى ذريعة لإنزال عسكري هو لحظة انتقال من دولة قانون إلى سياسة قوة وما يجرب اليوم في فنزويلا يمكن أن يجرب غدا في أي بلد أضعف من أن يحمي حدوده أما استدعاء مانويل نورييغا من ذاكرة بنما للحصول على ترخيص لقد فعلناها سابقا فلم لا نفعلها اليوم فلا يجعل من السابقة حقا ولا نموذجا لإثبات شرعية ما يجري بل مخدرا للحس الأخلاقي ولأن ترامب يحب تحويل السياسة إلى تلفزيون الواقع فهو لا يكتفي بفنزويلا فيشير بإصبعه إلى كوبا وكولومبيا والمكسيك من التالي إنها لعبته المفضلة يرفع سقف الخوف ثم ينفي نية الحرب ليبدو عقلانيا تاركا خصومه في المنطقة الرمادية لسنا في حرب لكنكم تحت التهديد التلويح ذاته يصبح رسالة لكل عاصمة صغيرة في أميركا اللاتينية وفي غيرها أنتم على جدول الأعمال متى شئنا وسقف السيادة الوطنية أكثر مرونة مما تتخيلون وسط هذا كله يظهر التفسير المغري والسهل فلسطين هي السبب تفسير يمنح القارئ خاتمة أخلاقية سريعة رجل وقف مع غزة فعوقب إنه تفسير كسول يتجاهل أن ما جرى يتصل بحزمة معلنة من أهداف النفوذ والطاقة وإعادة ترتيب الإقليم الأميركي اللاتيني ولا يتعلق بملف واحد وتحويل فلسطين إلى السبب النهائي يطمس ما هو أكثر أهمية أن واشنطن تقول بلا مواربة إنها تريد فنزويلا بوصفها بلدا قابلا للإدارة لا مجرد خصم يحاكم وهنا الخطر على فلسطين نفسها حين تصبح فلسطين التفسير السحري لكل انقلاب أو غزو فتتحول من قضية حقوق إلى علامة في سوق الصراعات يصبح من السهل على خصومها أن يقولوا انظروا من يدافع عنها ثم يهاجموا القضية عبر مهاجمة حاملها بدل مواجهة جوهر الحق الفلسطيني الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو مثال مختلف لم يطح بعد لكن واشنطن دخلت معه في توتر بلغ حد إلغاء تأشيرته بعد مشاركته في فعالية مؤيدة لفلسطين وتصعيده الخطابي ضد إسرائيل والولايات المتحدة هذا يثبت أن كلفة فلسطين قد لا تتعدى ضغطا دبلوماسيا وعقوبات رمزية ولا يبرهن على أن كل عملية تغيير نظام هي انتقام ممن حمل راية القضية كما يحلو لأنصار الديكتاتور العراقي صدام حسين أن يرددوا السياسة أكثر تعقيدا ومن مصلحة فلسطين ألا تختزل إلى شماعة تبرير تستخدم في الاتجاهات كافة ليس مهما أن نعرف ما إذ كانت إطاحة نيكولاس مادورو أو صدام حسين أو غيرهما بسبب فلسطين أم لا المهم أن نعرف كيف نبني لفلسطين تحالفات واسعة مستمرة داخل المجتمعات والجامعات والنقابات والبرلمانات بدلا من حصرها في خطابات زعماء مأزومي الشرعية أو زجها في محاور متصارعة تخسر فلسطين حين تتحول إلى وسام يعلقه مستبد لتبييض صورته أو شماعة نعلق عليها كل ما نعجز عن شرحه أفضل ما يمكن أن نفعله لفلسطين أن تبقى قضية حق لا أداة تبرير

أرسل هذا الخبر لأصدقائك على

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2026 أحداث العالم