عندما تزاح السلطة بالقوة فنزويلا ونماذج الاختطاف حول العالم
٩٦ مشاهدة
أعاد الجدل الذي فجره تحرك أميركي غير مسبوق في فنزويلا والإعلان عن اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته طرح سؤال حاد في العلاقات الدولية ماذا يحدث عندما يصل الصراع السياسي بين الدول إلى حد الحديث عن اعتقال أو إزاحة رئيس دولة بالقوة في منطقة الكاريبي وأميركا اللاتينية حيث لا تزال ذاكرة التدخلات الأجنبية والانقلابات حية أثار تداول سيناريو كهذا قلقا واسعا لدى القادة الإقليميين فمجرد طرح فكرة اعتقال رئيس دولة يذكر بتاريخ طويل من التدخلات العسكرية والعمليات السرية التي غيرت مصائر دول وقادة غالبا باسم الأمن أو فرض القانون أو حماية الديمقراطية التدخلات الأميركية القوة العسكرية والاعتقالات العابرة للحدود منذ الحرب الباردة كانت أميركا اللاتينية مسرحا مركزيا لتدخلات الولايات المتحدة سواء بالقوة العسكرية المباشرة أو عبر أجهزة الاستخبارات خاصة السي آي إيه بدعم انقلابيات عسكرية واستهداف قادة سياسيين أبرزها بنما 1989 عملية عسكرية أدت إلى اعتقال الرئيس مانويل نورييغا ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم المخدرات ما أثار جدلا حول السيادة الوطنية غرينادا وهايتي أساليب الإزاحة بالقوة أو التهديد العسكري لفرض تغييرات سياسية حتى دون اعتقال رسمي العراق 2003 اعتقال الرئيس صدام حسين بعد غزو شامل مواز في النتيجة لإزاحة السلطة بالقوة بعد 11 سبتمبر 2001 لجأت الولايات المتحدة إلى الاعتقالات أو النقل القسري لمشتبه بهم بالإرهاب خارج حدودها بما في ذلك عملية قتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عام 2011 رغم أن هؤلاء لم يكونوا رؤساء دول فإن المنطق القانوني فرض الولاية القضائية بالقوة يطرح نفس التساؤلات حول السيادة وحدود إنفاذ القانون دوليا nbsp نماذج استخباراتية عالمية nbsp دولة الاحتلال الإسرائيلي nbsp اختطفت القيادي النازي أدولف أيخمان من الأرجنتين 1960 ونقلته سرا لمحاكمته لاحقا استهدفت قادة فلسطينيين ولبنانيين عبر عمليات اختطاف وإجبار طائرات على الهبوط أو تصفية خارج أراضيها وقرصنة واختطاف في المياه الدولية كما حصل مع مراكب فك الحصار عن غزة على مدار السنوات الأخيرة الاتحاد السوفييتي وروسيا خلال الحرب الباردة اختفى منشقون ومسؤولون سابقون بعد استدراجهم إلى دول حليفة واتهمت روسيا بتنفيذ عمليات اعتقال قسري دون إعلان رسمي إيران نفذت عمليات استدراج واختطاف لمعارضين خارج أراضيها ونقلتهم لمحاكمتهم داخليا تركيا في 1999 اعتقل عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني في كينيا بواسطة المخابرات التركية بتعاون دولي ثم نقل سرا إلى تركيا للمحاكمة في نموذج بارز للاختطاف السياسي المنسق استخباراتيا الخطف السياسي والجماعات المسلحة إيطاليا 1978 اختطاف رئيس الوزراء ألدو مورو على يد جماعة الألوية الحمراء لمدة 54 يوما قبل قتله مثال على استخدام الخطف للضغط على الدولة ألمانيا الغربية فرنسا بلجيكا في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات اختطفت جماعات مسلحة شخصيات سياسية ودبلوماسية للحصول على فدية أو فرض تنازلات سياسية أميركا اللاتينية وأفريقيا استهدفت جماعات مسلحة وزراء ونوابا ورؤساء حكومات محلية بينما نفذت انقلابات قصيرة المدى في دول أفريقية واعتقالات لرؤساء وزراء أو حكام إقليميين بهدف فرض تنازلات سياسية أو حمايتهم ما يمثل شكلا داخليا للاختطاف السياسي مشابه في النتيجة للعمليات الدولية الفارق الجوهري بين العمليات أن تلك التي تقوم بها جماعات مسلحة من خارج الدولة تصنف إرهابية بينما عمليات الدول وأجهزتها الاستخبارية غالبا ما تبرر بأسباب أمنية أو قانونية لكنها تبقى مخالفة للقانون الدولي برغم استناد إدارة ترامب على تصنيف نظام مادورو كمنظمة إرهابية أو التذرع باسم مكافحة تهريب المخدرات القانون الدولي قفز عن حدود الشرعية وفق قول الباحث السياسي الدنماركي كلاوس أبيلغورد لـالعربي الجديد فإنه ميثاق يحظر الأمم المتحدة استخدام القوة أو التهديد بها ضد أراضي الدول أو استقلالها إلا في حال الدفاع عن النفس أو تفويض مجلس الأمن ويؤكد لـالعربي الجديد في المقابل الباحث جون غراوسغورد أن أي اعتقال لرئيس دولة أخرى دون موافقة حكومته أو تفويض دولي يعد انتهاكا للسيادة وعملا غير مشروع دوليا وهو ما يجعل كاراكاس اليوم تطالب بعقد جلسة طائرة لمجلس الأمن ولمجموعة الدول الأميركية ويزداد التعقيد مع رؤساء الدول الذين يتمتعون بحصانة شخصية تمنع توقيفهم أو ملاحقتهم أثناء توليهم السلطة بحسب ما يذهب إليه متخصصون عقبوا اليوم على اختطاف مادورو وبالنسبة لهؤلاء فإن أي اعتقال خارج الإجراءات القانونية يصنف قانونيا ضمن الاختطاف الدولي حتى لو وصف بخطاب إنفاذ القانون أنماط عالمية مشتركة وفقا لآراء متخصصين وباحثين فإنه يمكن تمييز ثلاثة أنماط رئيسية للاعتقالات والخطف السياسي القوة العسكرية المباشرة بنما العراق النقل القسري أو الاختطاف الاستخباراتي الولايات المتحدة تركيا إيران إسرائيل الخطف السياسي بواسطة جماعات مسلحة إيطاليا مناطق في أميركا اللاتينية وأفريقيا والقاسم المشترك بينها هو تغليب القوة على القانون ما يثير جدلا دوليا واسعا فنزويلا النموذج الحساس حساسية إعلان الرئيس الأميركي ترامب بنفسه عن اختطاف مادورو وتفاخر وزير خارجيته ماركو روبيو الذي يعتقد أنه المحرك الأيديولوجي ضد الأنظمة غير اليمينية في القارة اللاتينية تكمن في السياق الدولي والإقليمي المعقد فالعالم لم يعد أحادي القطب ووجود روسيا والصين الداعمتين لمادورو إلى جانب رفض إقليمي وسياسي محلي حتى داخل فنزويلا لسياسات واشنطن يجعل أي تدخل أميركي مباشر على الأرض مثلما جرى مثلا في العراق 2003 مقامرة جيوسياسية تتجاوز حدود الكاريبي لتطاول توازنات النظام الدولي بأسره بالنسبة لقادة أميركا اللاتينية المسألة تتجاوز مادورو نفسه أي سابقة للاعتقال القسري قد تجعل كل قائد دولة هدفا محتملا إذا تغيرت موازين القوى ما يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوض القانون الدولي التاريخ الحديث مليء بحالات أزيحت فيها السلطة بالقوة لكنها بقيت استثناءات مفروضة بموازين القوة ولم تتحول إلى قواعد قانونية ويبقى في نهاية المطاف السؤال الأكبر هل سيتسيد منطق القوة على القانون أم ستعيد الأزمة الاعتبار للحوار والوساطة والآليات الدولية الشرعية الإجابة لن تحدد مصير فنزويلا فقط بل ستترك بصمتها على شكل النظام الدولي في السنوات المقبلة