بعد نصف قرن على رحيله إرث الفاشية الفرانكوية في إسبانيا لم يحسم
٧ مشاهدات
بعد خمسين عاما على رحيل الديكتاتور الإسباني فرانشيسكو فرانكو لا يزال إرثه حاضرا في الوعي السياسي والاجتماعي لإسبانيا إذ يسهم في الاستقطاب ويؤثر في خيارات الناخبين ويمنح اليمين المتطرف أرضية رمزية وسياسية متينة وتوضح المقارنة مع ألمانيا التي واجهت إرثها النازي بحسم قانوني وأخلاقي صارم كيف يمكن لإدارة الذاكرة الجماعية أن تحصن الديمقراطية أو تضعفها أرقام مقلقة تكشف تحول المزاج العام في إسبانيا تشير استطلاعات حديثة لمؤسسة المعهد الإسباني للبحوث الاجتماعية CIS إلى أن 21 3 من الإسبان ينظرون إيجابيا إلى ديكتاتورية فرانكو مقابل أقل من 10 في مطلع الألفية مع ارتفاع التأييد بين الشباب 24 بين 18 و28 عاما مقابل 12 فقط لمن تزيد أعمارهم على 61 عاما وأشار استطلاع لصحيفة إل إسبانيول في نوفمبر تشرين الثاني الماضي إلى أن 36 من الإسبان يميلون إلى التقييم الإيجابي لما مثله فرانكو وأن الانقسام بين مؤيدي اليمين واليسار واسع حول كيفية تقييم الماضي يذكر أن النظام كان قائما على القتل والسجن والتعذيب حيث فقد نحو 500 ألف شخص حياتهم خلال الحرب الأهلية واختفى نحو 140 ألف بعد الحرب وفر ملايين إلى المنفى هربا من القمع والمجاعة النموذج الألماني والإيطالي القطيعة شرطا للديمقراطية على النقيض تواجه ألمانيا إرث النازية بصراحة عبر تجريم تمجيدها ومحاكمات نورمبرغ وإدراج جرائمها في المناهج التعليمية مع إنشاء متاحف ونصب تذكارية تركز على الضحايا ما جعل أي تعاطف علني مع النازية مرفوضا اجتماعيا ومجرما قانونيا رغم استمرار بعض التيارات المتطرفة المحدودة أما إيطاليا فقد حرم الحزب الفاشي ورموزه وأدرجت جرائم الفاشية في المناهج وجرت محاكمة قيادات النظام ما حد من تمجيد موسوليني علنا لكنه لم يصل إلى الحسم الكامل مثل ألمانيا وبقيت بعض الرموز والأفكار الفاشية ضمن حركات يمينية صغيرة دون النفوذ الذي يتمتع به حزب فوكس في إسبانيا رغم اتهامات بوجود جذور فاشية لدى حزب رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني الانتقال الإسباني ديمقراطية بلا محاسبة في إسبانيا حصل الانتقال إلى الديمقراطية بعد وفاة فرانكو عام 1975 وفق منطق مختلف تماما إذ جرى التوافق السياسي على ما عرف باتفاق النسيان الذي توج بقانون العفو الشامل عام 1977 والذي حال دون محاسبة أي شخص على الجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهلية أو خلال الديكتاتورية التي استمرت 36 عاما ونتيجة لذلك لم تجر محاكمات لجلادي النظام وانتقلت شخصيات من النظام الفاشي إلى مؤسسات الدولة الجديدة كالجيش والأمن وبقيت الرموز الفرانكوية حاضرة في الفضاء العام لعقود وكان هذا الخيار الذي برر آنذاك بالخوف من عودة العنف أو الانقلاب العسكري قد أدى على المدى الطويل إلى هشاشة الذاكرة الديمقراطية وترك المجتمع دون سردية أخلاقية واضحة تدين الاستبداد رغم انضمام إسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو الفاشية رأيا لا جريمة بعكس ألمانيا لم يجرم في إسبانيا تمجيد فرانكو بشكل صارم إلا في وقت متأخر وظل من الممكن حتى السنوات الأخيرة رفع رموز فاشية في الفضاء العام وإطلاق أسماء شخصيات من النظام على الشوارع والتعبير عن نوستالجيا الحنين للدكتاتورية دون تبعات قانونية هذا التسامح حول الفاشية الفرانكوية أحيانا إلى وجهة نظر سياسية أو قراءة بديلة للتاريخ لا إرث إجرامي بينما يعد تمجيد هتلر في ألمانيا خطا أحمر لا نقاش فيه في هذا السياق يجد حزب فوكس اليميني المتطرف بيئة مثالية لتوسيع نفوذه إذ يمتنع عن إدانة فرانكو ويلمح إلى إنجازات عهد الديكتاتورية مثل النظام والوحدة ويهاجم ما يسميه تشويه التاريخ وهوس اليسار بالماضي وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 43 من ناخبي فوكس ينظرون بإيجابية إلى حقبة فرانكو مقابل 17 فقط لديهم موقف سلبي ما يعكس استفادة الحزب من التسامح الاجتماعي والقانوني مع الإرث الفرانكوي لتعزيز شعبيته بين الشباب والناخبين الذين يفتقرون إلى معرفة دقيقة بالتاريخ ويعد فوكس الحزب الأكثر شعبية بين الشباب حاليا بتحقيق تأييد يقارب 17 على المستوى الوطني مقابل 33 لليمين الوسط و27 للحزب الاشتراكي بقيادة بيدرو سانشيز وهو ما يحول التسامح مع الماضي إلى رأس مال سياسي يستخدم لتقديم الاستبداد بديلا فعالا للديمقراطية الذاكرة والتعليم الحلقة الأضعف في المواجهة يرى مؤرخون وصحافيون إسبان أن المشكلة لا تكمن فقط في السياسة بل في التعليم فقد نشأت أجيال كاملة بمعرفة ضئيلة أو مشوهة بتاريخ القرن العشرين حيث خفف من حجم القمع وجرت المساواة بين الضحايا والجلادين وغاب التركيز على جرائم النظام وفي هذا الفراغ يصبح من السهل على الخطاب الشعبوي إعادة صياغة الماضي بما يخدم الحاضر ومنذ وصول بيدرو سانشيز إلى رئاسة الحكومة عام 2018 بدأت الدولة الإسبانية خطوات متأخرة لمواجهة هذا الإرث من بينها نقل رفات فرانكو من موقع رمزي وإصدار قانون الذاكرة الديمقراطية في 2022 وإزالة الرموز الفاشية وإصلاح المناهج التعليمية وتكثيف البحث عن ضحايا المقابر الجماعية غير أن هذه الخطوات تواجه مقاومة سياسية واجتماعية قوية ما يجعل نتائجها غير مضمونة وقانون 2022 يجعل الدولة مسؤولة عن البحث عن المختفين في مقابر جماعية ويضع آليات للبحث والتوثيق وإعادة الاعتبار لضحايا الديكتاتورية ويمنع أيضا المنظمات التي تمجد نظام فرانكو الذاكرة خطا دفاعا ديمقراطيا تظهر المقارنة بين ألمانيا وإسبانيا أن التعامل مع الماضي ليس مسألة تاريخية بحتة بل خيار سياسي له تبعات مباشرة على الحاضر والمستقبل فقد ساهم الحسم الألماني مع النازية في تحصين الديمقراطية ضد عودة الفاشية بينما أدى التسامح الإسباني مع إرث فرانكو إلى إبقاء الباب مفتوحا أمام إعادة تأهيل فكر الاستبداد وهو ما يستغله اليمين المتطرف اليوم بوضوح وتقف إسبانيا اليوم أمام سؤال حاسم هل تواصل إدارة ظهرها لماض لم يحاسب أم تخوض مواجهة متأخرة لكنها ضرورية لحماية ديمقراطيتها من أشباح الفاشية