ديوان غياهب الوجع يرصد أنين الغياب بلغة مثل حد شفرة الحلاقة
ديوان “غياهب الوجع” رحلة شعرية مكثفة تأخذ القارئ في دروب الحزن والتأمل، حيث يتجلى الوجع كحالة إنسانية متجذرة في الذات الشاعرة. منذ اللحظة الأولى يبدو واضحا أن هذا العمل لا يكتفي باستعراض الحزن لاستدرار العطف، بل يتوغل في عمق الألم ليحاوره ويستفزه، مستنطقا أبعاده الفلسفية والنفسية والوجودية، ليصوغ تجربة شعرية تتجاوز البوح إلى مستويات أعمق من التأمل.
النصوص في هذا الديوان تعبر عن صراع دائم بين الذات والزمن، بين الحضور والغياب، بين الذاكرة والنسيان… تتجسد هذه الازدواجية في لغة محملة بالصور الشعرية المكثفة، ويصبح الليل، الريح، الظلال، والصمت رموزا دالة على حالات نفسية متغيرة، تعكس وجدان الشاعر في مواجهته للعالم. لا يسير الزمن في هذه القصائد بخط مستقيم، بل يبدو متشظيا، متداخلا مع الذاكرة، وتتحول الذكريات إلى أطياف تحضر بقوة أكثر من الواقع نفسه.
الأسلوب الذي يعتمده نور الدين يميل إلى التكثيف والاختزال، ما يمنح النصوص طابعا دراميا مكثفا. كل جملة تحمل بين طياتها زخما شعوريا، حيث تمتزج المفردات الحسية بالمجازات العميقة، ما يجعل القارئ يعيش التجربة الوجدانية بكل تفاصيلها. لا يعتمد الشاعر على المباشرة في التعبير، بل يترك مساحة كبيرة للتأويل، ما يخلق لدى القارئ حالة من التفاعل المستمر مع النصوص.
تتجاوز نصوص “غياهب الوجع” الألم الشخصي إلى تأملات في معنى الحياة، في الوجود، في فكرة الزمن كقوة محوّلة للذات. تمنح هذه النزعة التأملية الديوان بعدا إنسانيا عاما، ويتحول الوجع إلى تجربة كونية، يتشاركها الجميع بطريقة أو بأخرى. وتلعب الصورة الشعرية دورا رئيسيا في خلق عالم الديوان. يبرز الأسلوب البصري في كثير من المقاطع، إذ تتحول المشاهد إلى لوحات تعكس المشاعر الداخلية. نجد الشاعر يرسم بالكلمات مشاهد الليل، المدن الصامتة، الطرق المهجورة، وجوه العابرين، وكلها عناصر تساهم في تعميق الشعور بالعزلة والتيه.
الإيقاع الداخلي للقصائد ينبض بتوتر خفي، ويعتمد على التكرار، الانزياح الدلالي، وكسر التوقعات. لا تخضع النصوص لقوالب إيقاعية تقليدية، بل تتناغم مع الحالة الشعورية لكل قصيدة، ما يجعل الموسيقى الداخلية للشعر جزءا أساسيا من بنيته التعبيرية.
يظهر
أرسل هذا الخبر لأصدقائك على