غرينلاند في عين العاصفة صراع السيادة بين واشنطن وكوبنهاغن
١٠ مشاهدات
لم تكن العاصفة الثلجية التي شلت أول من أمس حركة الطيران المتجه إلى عاصمة غرينلاند نووك سوى صورة عابرة لعاصفة أعمق وأشد تعقيدا تعيشها الجزيرة الواقعة في قلب القطب الشمالي فعلى وقع الضغوط الأميركية المتصاعدة وتجديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبته في ضم الجزيرة التابعة للدنمارك بطريقة أو بأخرى تجد غرينلاند نفسها كما وصف رئيس حكومتها ينس فريدريك نيلسن في عين الإعصار حيث تتقاطع حسابات الجغرافيا السياسية مع أسئلة الهوية والسيادة والاستقلال وقبيل اللقاء المرتقب في واشنطن بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند بدا المشهد الخارجي متماسكا إذ أعادت كل من كوبنهاغن ونووك التأكيد على موقفهما الرافض لأي نقاش حول نقل السيادة غير أن هذا التماسك الرسمي يخفي خلفه حراكا سياسيا داخليا هادئا في غرينلاند يكشف عن تباينات بين الأحزاب والتيارات حول طبيعة العلاقة مع الدنمارك وحدود الانفتاح على الولايات المتحدة وتوقيت الحلم القديم بالاستقلال الكامل التيار الحكومي الواقعية السياسية في زمن الضغط في صدارة المشهد يقف التيار الحكومي الذي يقوده نيلسن وهو تيار يتبنى مقاربة واقعية حذرة ترى أن اللحظة الراهنة لا تسمح بإعادة فتح كل الملفات الكبرى دفعة واحدة هذا التيار المدعوم من قوى رئيسية داخل البرلمان الغرينلاندي يركز على حماية الوضع القائم ضمن مملكة الدنمارك ويعتبر أن الأولوية القصوى اليوم هي صد الضغوط الأميركية ومنع تحويل غرينلاند إلى ساحة اختبار للقوة بين الحلفاء في هذا السياق لم يكن إعلان نيلسن المتكرر أن غرينلاند تختار الدنمارك تراجعا عن فكرة الاستقلال بقدر ما كان رسالة تهدئة داخلية مفادها أن فتح نقاشات مصيرية في ذروة الأزمة قد يضعف الموقف التفاوضي للجزيرة ويعمق الانقسام الداخلي أحزاب الاستقلال بين رفض الضم والتحفظ على الوصاية في المقابل تقف أحزاب الاستقلال التاريخية وعلى رأسها إنويت أتاكاتيغييت والتيارات القومية اليسارية أمام معادلة أكثر تعقيدا فهذه القوى ترفض بشكل قاطع أي محاولة أميركية لضم غرينلاند أو فرض وصاية جديدة عليها لكنها ترى في الوقت نفسه أن الأزمة الحالية تكشف حدود الاعتماد الطويل على كوبنهاغن وبالنسبة لهذه الأحزاب فإن الاصطفاف الكامل خلف الدنمارك وإن بدا مفهوما في لحظة الضغط يحمل خطر تثبيت وضع انتقالي إلى أجل غير مسمى وتحويل الاستقلال من مشروع سياسي فعلي إلى شعار مؤجل ويخشى قادتها من أن تتحول غرينلاند إلى ورقة تفاوض بين واشنطن وكوبنهاغن من دون أن يكون لصوت سكانها الوزن الحاسم في تقرير مصيرهم ويجد ذلك صداه في أوساط بعض سكان نووك حيث يصف بعضهم ما يجري بأنه أمر مقلق رافضين التخلي عن فكرة الاستقلال وإن كان بعضهم يحبذ التعاون الأوثق مع الدنمارك لمواجهة هذه العاصفة الحالية مع قوة كبرى مثل أميركا تيارات براغماتية مع الانفتاح المشروط وبين هذين المعسكرين تظهر تيارات أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية لا ترى في الولايات المتحدة خصما مطلقا ولا في الدنمارك حليفا أبديا غير قابل للنقاش هذه القوى التي تضم سياسيين محليين ونخبا اقتصادية تنظر إلى واشنطن باعتبارها شريكا محتملا في مجالات الاستثمار والبنية التحتية واستغلال الموارد الطبيعية الضخمة في الجزيرة خصوصا في ظل التغير المناخي وفتح ممرات جديدة في القطب الشمالي غير أن هذه التيارات تدرك حساسية المزاج الشعبي وتحرص على التأكيد أن أي تعاون مع الأميركيين يجب أن يتم ضمن إطار احترام السيادة ومن خلال القنوات الرسمية لا عبر صفقات أو ترتيبات تتجاوز الإرادة المحلية أما الرأي العام في غرينلاند على الأقل بحسب ما تحدث البعض إلى العربي الجديد اليوم الثلاثاء في نووك فيبدو أكثر وضوحا من النخب السياسية نفسها ففكرة بيع غرينلاند أو التعامل معها كأصل استراتيجي قابل للتملك قوبلت برفض واسع من تيارات مختلفة وعبر عنها رئيس الحكومة المحلية الذي يدرك ما يدور في الشارع حين قال إن ما شهدته الجزيرة هو رفض واضح من السكان لأن يكونوا معروضين للبيع وهذا الرفض الشعبي يشكل عامل ضغط إضافي على الأحزاب كافة ويدفعها إلى الحذر في خطابها تجاه واشنطن مهما اختلفت قراءاتها للمستقبل وينتظر أن تشهد مختلف المدن الدنماركية السبت القادم تظاهرات رافضة للرغبات الأميركية بالاستحواذ على الجزيرة اختبار للنظام العالمي في خلفية هذا المشهد الداخلي تتسع أبعاد الأزمة دوليا فقد حذرت ألمانيا على لسان وزير دفاعها بوريس بيستوريوس من أن أي تحرك أميركي للسيطرة على غرينلاند سيكون سابقة داخل حلف شمال الأطلسي فيما يرى باحثون في كوبنهاغن أن القضية لم تعد تخص جزيرة أو حتى مملكة بل باتت اختبارا للنظام الدولي القائم على القواعد ولمبدأ عدم ترهيب الدول الصغيرة من قبل القوى الكبرى ومع توجه الوفد الدنماركي الغرينلاندي إلى واشنطن تتكرر العبارات نفسها نأتي معا نبقى معا ونغادر معا في محاولة لإظهار جبهة موحدة وتماسك في مواجهة الضغوط غير أن الأسئلة الأصعب قد لا تطرح فقط على طاولة البيت الأبيض بل داخل غرينلاند نفسها بعد انقشاع العاصفة وخصوصا حول العلاقة بالدنمارك ومستقبل شعب الجزيرة الذي يزعجه كثيرا أن يجري الحديث عن مصيره دون استشارته بالنسبة لغرينلاند لا تختصر الأزمة في خلاف دبلوماسي عابر مع واشنطن بل تقرأ كاختبار لمكانتها داخل المنظومة الغربية ورغم أن الجزيرة ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي منذ تطبيق الخروج منه باستفتاء شعبي عام 1985 فإنها ترتبط به عبر الدنمارك باتفاقيات تعاون متعددة في نووك يسود اعتقاد بأن صمت الاتحاد الأوروبي أو حياده قد يفسر كضوء أخضر ضمني لإعادة رسم خرائط النفوذ في القطب الشمالي لذلك تتوقع الأوساط الغرينلاندية موقفا أوروبيا أكثر وضوحا يرفض المساس بالسيادة ويدعم الدنمارك وغرينلاند دبلوماسيا ويعزز الحضور الأوروبي في الشمال كشريك بالطبع ثمة قلق من ألا يقوم الأوروبيون بالرد على واشنطن إذا ما صعدت اقتصاديا وتجاريا على اعتبار أن نووك خارجة منه بينما تظل كوبنهاغن ممثلة لسيادة الجزيرة وشعبها كعضو في النادي الغربي أما في كوبنهاغن فينظر إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره ركيزة سياسية أساسية لتوازن النفوذ الأميركي ويخشى أن يؤدي أي تردد أوروبي إلى إضعاف الموقف التفاوضي ليس فقط في قضية غرينلاند بل في ملفات سيادة أوروبية أخرى مستقبلا يقف حلف شمال الأطلسي بدوره أمام معضلة شديدة التعقيد إذ إن الولايات المتحدة الطرف الأكثر ضغطا في الأزمة تشكل في الوقت نفسه العمود الفقري للحلف ومع ذلك يرى الغرينلانديون والدنماركيون أن حلف ناتو لا يمكنه غض الطرف عن أزمة تمس أحد أعضائه الأساسيين ولا سيما إذا انطوت على تهديد ضمني بفرض أمر واقع وفي هذا السياق لمحت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدركسن إلى أن أي محاولة لفرض السيطرة بالقوة ستعني عمليا نهاية فكرة التحالف الغربي كما عرفت حتى اليوم من جهتها تنظر كوبنهاغن إلى ناتو بوصفه خط الدفاع الأخير عن الاستقرار في الشمال مؤكدة استعدادها للاستثمار في القدرات الدفاعية المطلوبة لكنها تنتظر في المقابل من الحلف أن يضع حدودا واضحة لأي سلوك أحادي داخل صفوفه وتسعى الدنمارك إلى نزع الذرائع الأمنية التي تطرحها إدارة ترامب عبر تعزيز حضورها الدفاعي في المنطقة حيث تمكن مراسل العربي الجديد من مشاهدة قطع بحرية دنماركية تجوب خليج العاصمة نووك في رسالة عسكرية سياسية مزدوجة أما من وجهة نظر نووك فلا ينتظر من الناتو الاصطفاف ضد واشنطن بقدر ما ينتظر منه التأكيد أن مفهوم الأمن الجماعي لا يمكن أن يستخدم غطاء للهيمنة وضمان أن أي ترتيبات أمنية في القطب الشمالي تتم بشفافية كاملة وبالتوافق مع السلطات الغرينلاندية المنتخبة في الأوساط الغرينلاندية يسود قلق من أن تتحول الحسابات الواقعية داخل الاتحاد الأوروبي وناتو إلى براغماتية صامتة تفضل تجنب الصدام مع واشنطن على حساب المبادئ ويرى محللون أن أي فشل أوروبي أو أطلسي في التعامل الجدي مع الأزمة سيقوض ثقة الدول الصغيرة في المنظومة الغربية بأكملها سواء أسفر لقاء واشنطن عن تهدئة مؤقتة أو فتح جولة جديدة من التوتر تدرك غرينلاند والدنمارك أن المعركة الدبلوماسية لن تحسم في اجتماع واحد فالرهان الحقيقي هو على قدرة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي على التحول من أطر تحالف نظرية إلى مظلة فعلية تحمي السيادة وتمنع منطق الإملاء وفي انتظار ذلك تبقى غرينلاند كما قال رئيس حكومتها في عين الإعصار تراقب هذه المرة ليس فقط اتجاه الرياح القادمة من واشنطن بل أيضا صمت أو صوت الحلفاء في بروكسل