يواصل برنامج الإصلاح الاقتصادي في تركيا إثارة جدل واسع في أعقاب صدور بيانات ومؤشرات عام 2025 التي كشفت وفق مراقبين فجوة واضحة بين النتائج المحققة والطموحات التي أعلنتها الحكومة عند إطلاق البرنامج عام 2023 أو تلك التي جرى تجديدها لاحقا عند تعديل أهدافه في سبتمبر أيلول من العام الماضي ويرى محللون أن مسار الإصلاح رغم ما حققه من بعض التراجعات في معدلات التضخم لا يزال دون مستوى الوعود الرسمية سواء على صعيد استقرار الأسعار أو تحسن سعر صرف الليرة أو انعكاس ذلك على معيشة المواطنين وهو ما أعاد فتح النقاش حول جدوى السياسات الاقتصادية المتبعة وحدود قدرتها على تحقيق التوازن بين خفض التضخم ودعم النمو ويعتبر المحلل الاقتصادي التركي جيواد غوك أن الحكومة لم تنجح حتى الآن في تحقيق أهدافها المعلنة المتعلقة بخفض التضخم وتحسين سعر الصرف مشيرا إلى أن البيانات الصادرة مطلع العام الجاري جاءت بعيدة حتى عن التقديرات التي أعلنها نائب الرئيس جودت يلماز خلال العام الماضي ويحذر غوك في حديثه لـالعربي الجديد من أن التعديلات الجديدة التي لمح إليها فريق الإصلاح قد لا تصب في مصلحة المواطنين إذا ما تضمنت زيادات ضريبية أو رفعا لأسعار حوامل الطاقة كما حدث في تجارب سابقة وهو ما قد يؤدي إلى عودة الضغوط التضخمية بعد أربعة أشهر متتالية من التراجع ويضيف أن الإشارة إلى العودة لسياسة التشدد النقدي تعني عمليا تثبيت أسعار الفائدة واستمرار حالة الركود النسبي في الأسواق دون مكاسب ملموسة على صعيد خفض التضخم في المقابل يؤكد نائب الرئيس التركي جودت يلماز التزام الحكومة بمواصلة سياسات التشديد النقدي والمالي باعتبارها المسار الأساسي لكبح التضخم وأشار خلال مؤتمر صحافي عقد في إسطنبول قبل أيام إلى إمكانية إدخال تعديلات محدودة على البرنامج الاقتصادي دون المساس بجوهره أو تغيير اتجاهه العام وأوضح يلماز أن الحكومة تتوقع تسجيل تحسن تدريجي في مسار التضخم خلال الربع الأول من العام الجاري بما ينعكس على توقعات السوق التي تشير إلى إمكانية تراجع التضخم إلى حدود 23 بنهاية العام وبرر ابتعاد الأرقام الحالية عن وعود الحكومة بسعيها لتفادي خفض سريع للتضخم قد ينعكس سلبا على معدلات النمو وفرص العمل والاستقرار الاجتماعي أهداف البرنامج وكانت تركيا قد أطلقت برنامجها الاقتصادي في عام 2023 على مرحلتين الأولى قصيرة الأجل للفترة 2024 2025 والثانية متوسطة الأجل بين عامي 2026 و2028 بعد سنوات من اتباع سياسات نقدية غير تقليدية اتسمت بتيسير واسع بهدف تحفيز النمو وأسفرت تلك السياسات عن ارتفاع حاد في التضخم الذي بلغ مطلع عام 2025 نحو 44 38 قبل أن يتراجع إلى 39 9 بنهاية العام بالتوازي مع تراجع حاد في قيمة الليرة التي فقدت أكثر من 21 من قيمتها خلال العام الماضي لتستقر حاليا قرب 43 14 ليرة مقابل الدولار و50 25 ليرة مقابل اليورو وتمحورت أهداف البرنامج عند إطلاقه حول كبح التضخم وتعزيز الإنتاج والصادرات وتقليص عجز الميزان التجاري وتحسين المؤشرات المالية العامة مع وعود رسمية بانعكاس ذلك على رفاهية المواطنين كما أكد وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك غير أن بيانات الربع الثالث من العام الماضي دفعت الحكومة إلى مراجعة برنامج الإصلاح متوسط الأجل للفترة 2026 2028 في تعديلات أعلن عنها من المجمع الرئاسي في أنقرة بحضور نائب الرئيس ووزير المالية ومحافظ البنك المركزي فاتح قرة هان وأقرت الخطة المعدلة برفع تقديرات التضخم وخفض مستهدفات النمو إلى جانب تحديث توقعات البطالة وتقليص عجز الحساب الجاري وبحسب الخطة المعدلة رفعت توقعات تضخم أسعار المستهلك لعام 2025 إلى 28 5 مقارنة بـ17 5 في البرنامج السابق كما جرى تعديل توقعات عام 2026 إلى 16 بدلا من 9 7 على أن يتراجع التضخم إلى 9 في 2027 ويستقر عند 8 في عام 2028 ولا يرى عضو حزب العدالة والتنمية الحاكم باكير أتاجان في هذه التعديلات تراجعا بقدر ما يراها انعكاسا لواقعية أكبر في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية العالمية معتبرا في حديثه لـالعربي الجديد أن ما تعانيه الاقتصادات الكبرى وشركاء تركيا التجاريين فرض مراجعة الأهداف السابقة التي كانت تتوقع خفض التضخم إلى 15 2 بنهاية 2024 و8 5 بنهاية 2025 إلى جانب طموحات أكثر تفاؤلا للنمو والبطالة ويشير أتاجان إلى أن ملف الصادرات يشكل أحد أبرز نقاط النجاح في البرنامج إذ بلغت صادرات تركيا في عام 2025 نحو 273 4 مليار دولار بزيادة 4 5 مقارنة بعام 2024 متوافقة إلى حد كبير مع المستهدفات التي وضعتها الخطة المعدلة خيار استراتيجي وحول سياسة سعر الفائدة يوضح أتاجان أن التيسير النقدي لا يزال خيارا استراتيجيا للحكومة نظرا إلى تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على حركة الأسواق والنمو الذي لم يتجاوز 3 7 لكنه يؤكد أن مسار التضخم يظل العامل الحاسم في تقرير الاستمرار في خفض الفائدة أو التريث نظرا إلى انعكاسه المباشر على تكاليف المعيشة وكان البنك المركزي التركي قد خفض أسعار الفائدة أربع مرات متتالية لينخفض سعر الفائدة من 47 5 مطلع عام 2025 إلى 38 بنهاية العام في إطار سياسة التيسير النقدي التي بدأها منتصف العام ورغم المؤشرات الكلية يرى مراقبون أن المعيار الحقيقي لنجاح أي برنامج اقتصادي يظل مستوى معيشة المواطنين في ظل ارتفاع تكاليف الحياة إذ يقدر متوسط إنفاق الأسرة التركية بنحو 90 ألف ليرة شهريا مقابل حد أدنى للأجور في القطاع الخاص يبلغ 28 075 ألف ليرة بعد زيادة بنسبة 27 مطلع العام الجاري غير أن أتاجان يرفض هذا القياس مشيرا إلى أن الحد الأدنى للأجور لا يعكس واقع غالبية العاملين وأن معظم الأسر تضم أكثر من مصدر دخل فضلا عن ارتفاع رواتب القطاع العام إلى مستويات تفوق متوسط تكاليف المعيشة حيث يبدأ راتب الموظف الحكومي من 64 4 ألف ليرة ويرتفع إلى أكثر من 150 ألف ليرة لبعض الفئات التخصصية وفي هذا السياق يؤكد وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك التزام الحكومة بخفض التضخم إلى أقل من 20 خلال العام الجاري معتبرا أن عام 2026 سيكون نقطة تحول لمصلحة أصحاب الدخول المحدودة مع اكتمال مشاريع إعادة الإعمار في مناطق الزلزال وتعزيز الانضباط المالي وتراجع المخاطر المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي ويعول شيمشك على أن تظهر النتائج الأكثر وضوحا للبرنامج خلال عام 2026 سواء على صعيد انخفاض التضخم أو تراجع الشعور بغلاء المعيشة بالتوازي مع تسارع التعافي الاقتصادي وعودة النمو التدريجي واستكمال أعمال إعادة الإعمار والإحياء في منطقة الزلزال