بعمليتها التدميرية في فنزويلا التي توجت باختطاف رئيس هذا البلد نيكولاس مادورو وزوجته من غرفة نومهما المحصنة فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب إضافة إلى تحديها القانون الدولي الذي يصون سيادة الدول تتحدى أي قوة أخرى في العالم بعدما عرضت نموذجا لحرب حديثة خاطفة تعتمد الأسلحة الأشد تدميرا مع التقنيات السيبرانية وهو ما يجعل الحديث عن عالم متعدد الأقطاب أمنية لم تتحقق بعد وإلا لوضعت واشنطن في اعتبارها حجم الاعتراض الخارجي وطبيعة ردات الفعل في الحسبان وأمام ذلك لم يعد أمام الرئيسة المؤقتة لفنزويلا ديلسي رودريغيز من خيار سوى التكيف مع التهديدات الأميركية وذلك للحد من الخسائر والأضرار هذا إذا استطاعت تلبية طلبات مثل قطع علاقات بلادها مع كل من الصين وروسيا وكوبا وإيران ولا بد أن الرئيسة المؤقتة قد لاحظت أن ترامب لم يسع إلى تنصيب زعيمة المعارضة بديلة لمادورو لأنها قد قبلت جائزة نوبل للسلام التي كانت من حقي كما قال ترامب بما يعني أن واشنطن من جهتها تعمل على التكيف مع التعقيدات في مراكز القوة داخل هذا البلد اللاتيني والراجح أن مادورو سوف يبقى رهين محبسه حتى انتهاء ولاية ترامب الحالية وقد لوحظ وسط سيل التعليقات على عملية العزم المطلق في كاراكاس أن هذه التطورات التي تشبه برنامجا تلفزيونيا كما وصفها ترامب نفسه قد غطت على الحرب في أوكرانيا ومساعي إطفائها وأن زيلينسكي من جهته لم ينجح بعد في انتزاع ضمانات أمنية لبلاده تسوغ أو تعوض أي تنازلات إجبارية نتيجة سوء التفاهم الأوروبي الأميركي حول هذه المسألة ولأن ترامب بات في هذه الآونة منشغلا بأمور أخرى منها المضي في تنفيذ خطته لنفوذ أميركي أو لإشراف كامل على أرض النفط والذهب في الفناء الخلفي لأميركا ومن يسوؤه انغماس الإدارة في هذا التوسع الإمبراطوري من الأوروبيين وغيرهم فإن تطورات الأيام المقبلة سوف تنسي المنشغلين بهذا التطور أمر فنزويلا وذلك في غمرة الانشغال المتوقع والمنتظر بسعي واشنطن للاستيلاء على أكبر جزيرة في العالم بمساحة تزيد على مليوني كيلومتر مربع وهي غرينلاند الواقعة بين القطب المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي والغنية بالمعادن النادرة وبالنفط والغاز ويقطنها 57 ألف نسمة يتمتعون بحكم ذاتي موسع فيما تبسط الدنمارك سيادتها على الجزيرة يتحدى ترامب الدنمارك العضو في حلف الأطلسي ويتحدى معها بقية الأعضاء الأوروبيين في الحلف بمن فيهم فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وقد عرض الرجل على الدنمارك شراء الجزيرة وتلقى جوابا بأنها ليست للبيع ما سيضطره للبحث عن وسائل أخرى لامتلاك الجزيرة فمنطق الإمبراطوريات هو الحاكم والنافذ وواشنطن مركز الإمبراطورية ترفدها 150 قاعدة عسكرية في أنحاء العالم بما في ذلك تسهيلات عسكرية تتمتع بها داخل غرينلاند نفسها في قاعدة باسم ثول مطار بيتوفيك على أرض الجزيرة وتتمنى كوبنهاغن أن يكون ترامب يمزح غير أنه لا يفعل ذلك في مسألة تتعلق بما يعتبره حاجة استراتيجية لبلاده يجد ترامب أن أفضل وسيلة لترجمة نزعته السلمية تتمثل في التوسع وبسط السيطرة المباشرة وشبه المباشرة من دون أن يعيقه عائق سوف ينسى الأوروبيون ولو مؤقتا فنزويلا فلطالما انغمست واشنطن بتدخلات في حديقتها الخلفية أما الآن فإن الهدف هو تلك الجزيرة النائية المصنفة بأنها أوروبية والمصنفة جغرافيا بأنها أقرب إلى أميركا الطبيعية وفق ويكيبيديا على أن الأمر سيستوقف المراكز الدولية الأخرى فترامب يجد أن أفضل وسيلة لترجمة نزعته السلمية تتمثل في التوسع وبسط السيطرة المباشرة وشبه المباشرة من دون أن يعيقه عائق بما في ذلك مقولة العالم متعدد الأقطاب أو التذكير بأحكام القانون الدولي فالإدارة الحالية تنظر بأقل قدر من الاعتبار لكل ما يتصف بصفة دولية حتى إن البيت الأبيض يستعد لإخراج أميركا من عضوية 66 منظمة دولية دفعة واحدة بينها 31 منظمة ذات صلة بالأمم المتحدة من أجل التوقف عن المساهمة في تمويلها وضبط النفقات أما ما يسمى التعاون الدولي وتقاسم المسؤوليات فليذهب كل منهما إلى الجحيم بينما عمد ترامب في ولايته الأولى إلى الخروج من منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم والثقافة يونسكو ومن اتفاقية المناخ العالم بات مهددا بالفوضى ولن تكون أميركا بمنجاة من هذا الاضطراب هكذا يشن الرجل حملته للتغيير فأميركا لا تعبأ بأعدائها وخصومها وإن كانت تحسب حساب الصين ولم تعد بحاجة إلى أصدقائها وحلفائها باستثناء إسرائيل ذات النفوذ الذي لا يضاهى على صانعي القرار في الداخل الأميركي وإسرائيل كانت الدولة الوحيدة التي أيدت غزوة كاراكاس أما الأوروبيون فعليهم أن يثبتوا احترامهم لواشنطن عبر التسليم بـحقها في امتلاك غرينلاند وأن يضغطوا على كوبنهاغن من أجل تلبية طلب البيت الأبيض حتى لا تضطر واشنطن لانتهاج وسائل أخرى ولا حاجة للحديث عن مقتضيات العلاقة بين دول حلف شمال الأطلسي فأميركا هي زعيمة هذا الحلف وقائدته وللقيادة أن تقرر ما تشاء وتلك هي عقيدة ترامب الذي يدير السياسة الخارجية لبلاده كما يدير إحدى شركاته ويجعل الكونغرس يلهث وراءه في التنازع على الصلاحيات بشأن شن حروب في الخارج ومع ذلك على الأغلب أن ردات الفعل الداخلية هي التي ستكبح ترامب في نهاية المطاف وليس الضغوط الخارجية أو العالم متعدد الأقطاب فموسكو رغم مكابرتها لا تجد طريقا لإنهاء حربها الطويلة المدمرة على أوكرانيا وهي تحتاج إلى ترامب وليست في وارد توسيع الخلافات معه أما الصين فلا تخضع للابتزاز وتعتصم بالصبر حيال تايوان وتنغمس في تطوير قدراتها الفائقة ولا تستجيب لداعي الحرب بسهولة وإذا كان العالم وبالذات العلاقات الدولية بات مهددا بالفوضى فإن أميركا ذاتها لن تكون بمنجاة من هذا الاضطراب ففيما الشقة تتسع بين ترامب والديمقراطيين إذ ينظر إليهم أعداء لا منافسين أو حتى خصوما فإن حزبه الجمهوري يتجه إلى مظاهر انقسامية نتيجة تضخم النزعة الرئاسية الفردية في اتخاذ القرارات وسلوكه السياسي الذي يبث رسالة مفادها أن الحزب بحاجة إليه وليس الرئيس من يحتاج إلى الجمهوريين وعلى نحو قد يتحول معه شعار أميركا أولا إلى دونالد ترامب أولا مع ما لذلك من تداعيات