يشكل الركام أحد أخطر التحديات البيئية والإنسانية التي تعيق أي محاولة جدية لإعادة الحياة الطبيعية إلى قطاع غزة بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية التي خلفت دمارا واسعا في البنية التحتية والمنازل والمنشآت وليس الركام مجرد بقايا من الإسمنت والحديد بل بيئة ملوثة تحمل في طياتها مخاطر طويلة الأمد على الإنسان والمياه والتربة والهواء إذ يعيش الآلاف في غزة وسط أكوام الأنقاض في مشهد يعكس حجم الكارثة ويؤكد أن إعادة الإعمار ينبغي أن تبدأ بإزالة هذا الركام الذي تحول إلى أحد عوائق عودة الأهالي إلى مناطقهم عاد الفلسطيني رائد التتري إلى منطقة الصفطاوي في شمال مدينة غزة بعد نزوح طويل ويقول لـالعربي الجديد العودة إلى المكان الذي نشأت فيه كانت صادمة ومؤلمة حين وصلت إلى محيط منزلي المدمر لم أجد سوى تلال من الركام تحيط بالمكان من كل اتجاه وكأن المنطقة تحولت إلى مكب مفتوح تكدس الركام يجعل من الصعب إيجاد مساحة آمنة لوضع خيمة وبصعوبة استطعت وضع خيمتي بين ركام يملأ المكان ويشير التتري إلى أن المخاطر لا تتوقف عند صعوبة الحركة بل تتعداها إلى انتشار القوارض والحشرات فكميات الركام الكبيرة أدت إلى انتشار الجرذان ومعها تنتشر روائح كريهة لا نعرف ماهيتها تجعل التنفس صعبا خاصة في ساعات الليل تدفع الفلسطينية أنهار رمضان المقيمة في مخيم النصيرات بوسط القطاع حتى اليوم ثمن نجاتها من القصف وتقول لـالعربي الجديد بقيت تحت الأنقاض لأكثر من أربع ساعات بعد أن تعرضت شقتنا السكنية للقصف وكنت أتنفس بصعوبة وسط الغبار والدخان وتركت تلك الساعات أثرا صحيا فمنذ ذلك اليوم أعاني مشاكل في الجهاز التنفسي رغم مرور قرابة عامين على الحادثة ولا تزال نوبات الاختناق والسعال تلازمني وأكدت رمضان أن خطر الركام لم يقتصر على وقت القصف بل تحول إلى تهديد ممتد وجميعنا معرضون لاستنشاق الغبار ومخلفات الأنقاض طوال الوقت فنحن نعيش وسط هذا الركام ولا توجد أية معالجة حقيقية له وكأن الخطر سيستمر بلا نهاية ووفق تقديرات الأمم المتحدة فإن كمية الركام التي خلفتها الحرب على غزة تتجاوز 61 مليون طن في حين تذكر معطيات محلية أنها موزعة على 17 مليون طن في مدينة غزة و12 مليون طن في مناطق شمال غزة و11 مليون طن في خانيونس و9 ملايين طن في مدينة رفح ومليوني طن في مدينة دير البلح وتشير التقديرات الأممية إلى أن إزالة هذا الركام تحتاج إلى تشغيل 100 شاحنة يوميا لأكثر من 15 عاما متواصلة بكلفة تتجاوز 860 مليون دولار كون المساحة التي يغطيها الركام تقدر بمساحة أكثر من ألف ملعب كرة قدم ما يعكس حجم الكارثة ويؤكد المختص في الشأن البيئي سعيد الملوك لـالعربي الجديد أن الركام يجب النظر إليه من عدة زوايا وكلها خطيرة فلحظة حدوث الانفجار تنطلق مواد وجزئيات سامة لها تأثير تراكمي خطير على الجهاز التنفسي والركام نفسه يشكل تهديدا صحيا بسبب احتوائه على كميات هائلة من النفايات السامة وذلك قد يؤدي إلى تشوهات جنينية وأمراض جلدية وربما ظهور أمراض لم تكن معروفة سابقا ويحذر الملوك هناك تلوث واسع للمياه الجوفية ما سيؤثر بشكل خطير على صحة السكان مستقبلا كما أن بعض المواطنين باتوا يتعاملون مع الركام كمكب نفايات ما يزيد من حجم التلوث القنابل تحرق التربة بعمق يصل إلى 7 سنتيمترات ما يجعلها غير صالحة للزراعة فضلا عن احتوائها على مواد مشعة وحتى في حال استصلاح الأراضي الزراعية سيبقى المكون السام موجودا وينتقل إلى الثمار وبالتالي يتراكم في جسم الإنسان وهذه مشكلة خطيرة وبعيدة المدى وتفيد معطيات رسمية فلسطينية بوجود قرابة 4 ملايين طن من النفايات الخطرة بين أطنان الركام وحذرت سلطة جودة البيئة الفلسطينية في ورقة بحثية نشرتها أخيرا من الآثار الخطيرة لهذا الكم الهائل من النفايات مشيرة إلى وجود 50 ألف طن من مادة الأسبستوس المسرطنة ونحو 100 ألف طن من المتفجرات والأجسام غير المنفجرة مؤكدة أن الحرب دمرت 80 من أنظمة المياه والصرف الصحي وسببت تلوثا واسعا للحوض الجوفي الساحلي وتشير سلطة جودة البيئة إلى إنشاء عشرات من مكبات النفايات العشوائية وتكدس أكثر من 700 ألف طن من النفايات الصلبة وتسرب مواد كيميائية سامة إلى التربة والمياه الجوفية فضلا عن تلوث ساحل قطاع غزة ببقع رمادية وسوداء تمتد داخل البحر ما يقلص مساحة الصيد ويهدد النظام البيئي البحري