ميشيل فوكو الانضباط الطوعي هو الوجه الأخطر للسلطة الحديثة
٦٧ مشاهدة
يدرس كتاب المراقبة والمعاقبة ولادة السجن للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي تمر مئة سنة على ميلاده مصطلح البانوبتيكون المراقبة الكلية وهو نموذج سجن دائري قام بتصميمه الفيلسوف الإنكليزي جيريمي بنثام في عام 1785 والهدف منه هو تمكين السلطة من مراقبة جميع السجناء من دون أن يكونوا قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أو لا Panopticon أكثر من مجرد تصميم معماري لسجن إنه نموذج مثالي لجوهر السلطة الانضباطية حيث البنية الدائرية والبرج المركزي والرؤية الكاملة للمراقب كلها عناصر تشكل آلية سلطوية بالغة الكفاءة يكتب فوكو من يخضع لحقل الرؤية ويعرف ذلك يتحمل مسؤولية قيود السلطة فهو يجعلها تعمل تلقائيا على نفسه هنا تكمن العبقرية الشيطانية للبانوبتيكون فالسلطة تصبح آلية ذاتية التشغيل والاحتمال الدائم للمراقبة يكفي لإنتاج الانضباط وتكتسب تلك الأطروحة أهمية متجددة ومقلقة في عصر التكنولوجيا الرقمية فالبانوبتيكون كان محدودا بقدرات المراقبة البشرية أما اليوم فالمراقبة آلية ومستمرة ولانهائية تقريبا إذ هناك كاميرات المراقبة بالذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف إلى الوجوه وتتبع الهواتف المحمولة وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي وكلها تقنيات تحقق المراقبة الشاملة التي كان البانوبتيكون مجرد نموذج نظري لها من العنف المباشر إلى الانضباط الذاتي يطرح فوكو إشكالية فلسفية محورية مفادها كيف تحولت السلطة من نموذج العنف المباشر إلى نموذج الانضباط الذاتي وهو يتبنى المنهج الجينالوجي المستمد من فكر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الذي يقوم على تفكيك الحاضر من خلال كشف التحولات يسمح هذا المنهج لفوكو بتجاوز السرديات السائدة التي ترى في ظهور السجن الحديث نوعا من التقدم الأخلاقي بينما يكشف الكتاب الذي نشر عام 1975 وصدرت نسخته العربية عام 1990 عن دار الإنماء القومي بترجمة علي مقلد عن منطق سلطوي جديد أكثر تعقيدا يتخفى تحت قناع الإنسانية وتبرز تلك الفلسفة عند تطبيقها على وقائع العصر الرقمي المعاش حيث باتت السلطوية تمس جوهر فهمنا للحرية يكشف عن منطق سلطوي أكثر تعقيدا يتخفى تحت قناع الإنسانية في النظام القديم كانت السلطة تعمل وفق نموذج سيادي فالملك يمتلك حق حياة رعاياه وموتهم وكتب فوكو في العقوبات القديمة كان الجسد هو الهدف الرئيسي للعقاب لكن هذا النموذج كان يحمل تناقضاته الداخلية فالمشهد العقابي كان يمكن أن يتحول إلى مساحة للمقاومة والتضامن الشعبي والمعاقب قد يصبح بطلا شعبيا وقد تتمرد الجماهير على القسوة المفرطة في القرن التاسع عشر ظهر نموذج سلطوي جديد نموذج لامركزي يعمل من خلال المؤسسات الانضباطية والأمر لا يقتصر على السجن بل يشمل المدرسة والمستشفى والمصنع وغيرها هذا النموذج لا يستهدف الجسد بوصفه موقعا للألم بل موقعا للإنتاجية وبات الهدف الجديد ليس تدمير الجسد بل تطويعه وليس قمع الفرد بل تطبيعه ويصوغ فوكو في كتابه واحدة من أطروحاته المركزية nbsp وهي أن السلطة الحديثة لم تعد تعمل بالمنع والقمع فقط بل بالإنتاج والخلق أيضا تنتج السلطة أنواعا معينة من الذوات وأشكالا محددة من المعرفة ومعايير للصلاح وهذا ما يجعلها أكثر فعالية ويجعل مقاومتها أصعب مبدأ تنظيمي للمجتمع الحديث قائم على الرقابة الذاتية تظل الأطروحة الأكثر راديكالية في الكتاب أن البانوبتيكون ليس نموذجا سجنيا فقط بل مبدأ تنظيمي للمجتمع الحديث يقول فوكو البانوبتيكون هو الرسم التخطيطي لآلية سلطة مختزلة إلى شكلها المثالي ومن ذلك أن المدرسة الحديثة تنظم التلاميذ في صفوف مرئية للمعلم والمستشفى يرتب الأسرة لتسهيل المراقبة الطبية والمصنع يصمم خطوط الإنتاج لضمان مراقبة العمال كل هذه المؤسسات تتبنى منطق الانضباط الذاتي ما يحول المجتمع بأكمله إلى شبكة من المؤسسات المترابطة التي تنتج وتعيد إنتاج الذوات المنضبطة ويقدم فوكو مفهوم الجسد المطيع باعتباره منتجا نهائيا للسلطة الانضباطية والذي يقلب الفهم التقليدي للسلطة فهي لا تقف ضد الحياة والإنتاجية بل تستثمر فيهما والرأسمالية الصناعية لم تكن لتنجح من دون هذه التقنيات الانضباطية التي حولت الأجساد إلى قوى عاملة تبدو تحذيرات فوكو أكثر إلحاحا في عصر الرقمنة الشاملة لكن تظل واحدة من أكثر إسهامات الكتاب راديكالية هي أطروحة السلطة المعرفة إذ يرفض التمييز التقليدي بين المعرفة الموضوعية والمحايدة من جهة والسلطة المنحازة والقمعية من جهة أخرى هذا التمييز بالنسبة لفوكو هو وهم أيديولوجي يكتب السلطة تنتج المعرفة السلطة والمعرفة يتضمن كل منهما الآخر مباشرة لا توجد علاقة سلطة من دون تشكل متصل لحقل معرفة ولا توجد معرفة لا تفترض وتشكل في الوقت نفسه علاقات سلطة ويطبق فوكو هذه الأطروحة على العلوم الإنسانية التي ظهرت في القرن التاسع عشر مثل علم النفس والطب النفسي وعلم الإجرام وعلم الاجتماع والتي يعتبرها أدوات إنتاج لأنواع جديدة من الذوات والتصنيفات وهي بالتالي ممارسات سلطوية تنتج فئات اجتماعية وتسوغ التدخلات المؤسساتية والتحول الأساسي الذي تحدثه هذه العلوم هو تحويل الإنسان إلى موضوع قابل للدراسة والقياس والتصنيف ليصبح كل فرد مجرد حالة يسمي فوكو هذا الوضع التفريد التوثيقي ويعتبره أحد أشكال الإخضاع فالفرد يعرف ويحدد من قبل المؤسسة وهويته ليست شيئا يمتلكه بل شيء يمنح له من قبل آليات السلطة حيث توجد سلطة توجد مقاومة أحد الانتقادات الرئيسية التي وجهت للكتاب كانت أن تحليله للسلطة كونها شبكة لامركزية يترك مساحة ضئيلة للمقاومة فإذا كانت السلطة في كل مكان وتشكل الذوات نفسها فكيف يمكن مقاومتها ومن أين تأتي القدرة على التمرد وكان فوكو واعيا بهذه المشكلة ويصر على أنه حيث توجد سلطة توجد مقاومة لكن طبيعة هذه المقاومة تظل غامضة نسبيا في المراقبة والمعاقبة ما دفعه في أعمال لاحقة إلى تطوير مفاهيم مثل تقنيات الذات وممارسات الحرية يظل الأكثر إثارة للقلق هو ما يمكن تسميته البانوبتيكون الطوعي ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي يراقب الناس أنفسهم طوعا ويوثقون حياتهم ويشاركون بياناتهم طوعا المراقبة إذا لم تعد أداة قمع بل أصبحت شرطا للوجود الاجتماعي والشركات التقنية الكبرى مثل غوغل أو فيسبوك تمتلك اليوم قوة رقابية تفوق أي دولة وهي لا تعمل عبر القمع المباشر بل عبر آليات دقيقة للتأثير والتوجيه تماما كما وصف فوكو السلطة الانضباطية لم تعد المراقبة مجرد عين تراقب من برج مركزي إنها البنية التي تنظم وجودنا الاجتماعي وفهم هذه البنية هو الخطوة الأولى نحو إمكانية تفكيكها ومقاومتها وقد قدمت جائحة كورونا مثالا واضحا فتطبيقات المراقبة الصحية والحجر الصحي الإلزامي وجوازات اللقاح كلها تقنيات استثنائية كشفت عن إمكانيات هائلة للمراقبة والتحكم باسم الصحة العامة بينما هي في الحقيقة تعبير عن منطق الحكم الحيوي حيث الحياة نفسها تصبح موضوعا للسلطة السياسية والهدف ليس فقط حماية الأفراد بل إدارة السكان بما هم كتلة حيوية قابلة للتحكم وتبدو تحذيرات فوكو أكثر إلحاحا في عصر الرقمنة الشاملة فالبانوبتيكون لم يعد مجرد استعارة بل وصف دقيق لواقعنا اليومي إذ يمكن تسجيل كل تحرك وكل تفاعل وكل فكرة تقريبا كما يمكن تحليلها واستخدامها ضدنا أو على الأقل لتوجيهنا نحن جميعا سجناء بانوبتيكون عملاق لا يحتاج إلى أسوار نحمل سجننا معنا في هواتفنا ونبنيه بأيدينا في كل مرة نقبل فيها شروط الاستخدام ونشارك في إنتاجه في كل مرة نراقب فيها أنفسنا ونقيم ذواتنا وفق معايير المؤسسات السؤال الأهم في الكتابnbsp هو هل ما زال ممكنا أن نكون غير مقروئين وغير مفهرسين وغير قابلين للتصنيف يظهر الواقع أن هناك أشكالا جديدة من المقاومة من بينها استخدام التشفير وأدوات حماية الخصوصية ودعم البرمجيات مفتوحة المصدر والمطالبة بتشريعات حماية البيانات ربما تكمن في هذه الأدوات آخر فرصنا لمقاومة التسلط الرقمي