نشر مجلس النواب الليبي الخميس الماضي قانونا يقضي بتخصيص 69 مليار دينار لمصلحة صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا الذي يترأسه بالقاسم حفتر لتمويل ما وصف بـالخطة التنموية الممتدة لثلاث سنوات وبحسب نص القانون توزع الاعتمادات المالية بواقع 25 مليار دينار تصرف خلال عام 2025 و23 مليارا في عام 2026 و21 مليارا في عام 2027 في واحدة من أضخم مخصصات الإنفاق التنموي التي يعتمدها مجلس النواب خلال السنوات الأخيرة ويأتي نشر القانون في الجريدة الرسمية بعد أن كان مجلس النواب قد اعتمد في 17 يونيو حزيران من العام الماضي ميزانية هذه الخطة التنموية في خطوة أثارت آنذاك اعتراضا واسعا من قبل حكومة الوحدة الوطنية التي رأت في اعتماد ميزانية موازية خارج إطار الميزانية العامة المعتمدة تعميقا لحالة الانقسام المالي والمؤسسي في البلاد ومساسا بمبدأ وحدة الإنفاق العام تحت سلطة تنفيذية واحدة وتزامن إنفاذ القانون بنشره في الجريدة الرسمية مع تحفظ معلن من مصرف ليبيا المركزي الذي كان قد أبدى خلال الأشهر الماضية ملاحظات جوهرية على مقترح الميزانية المقدم من مجلس النواب محذرا من تداعيات مالية واقتصادية قد تترتب على التوسع في الإنفاق خارج الترتيبات المتفق عليها في ظل هشاشة الوضع النقدي واستمرار الضغوط على الدينار الليبي وتعكس خطوة مجلس النواب إصراره على المضي قدما في تنفيذ ميزانية صندوق التنمية في تعارض مباشر مع المسار الذي أعلن عنه في 18 نوفمبر تشرين الثاني الماضي حين كشف مصرف ليبيا المركزي عن توقيع اتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول البرنامج التنموي الموحد الذي سيجرى بموجبه صرف أموال بند التنمية في الميزانية العامة وفق آلية تقاسم بين شرق البلاد وغربها بهدف كبح جماح الإنفاق الموازي الذي تسبب بحسب بيان للمصرف وقتها في هدر مليارات الدنانير خلال السنوات الماضية وبهدف إعادة قدر من الانضباط والشفافية إلى إدارة المال العام ويرى مراقبون أن نشر قانون ميزانية صندوق التنمية في هذا التوقيت وبعد سبعة أشهر من إقراره يعيد فتح ملف الخلافات العميقة حول شرعية القرارات المالية وتعدد مراكزها وبينما أبدى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في العديد من المناسبات دعمه الخطط التنموية لجهاز صندوق التنمية لمعالجة عجلة الاقتصاد وتحريكها اتهم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في عديد من التصريحات صالح بالاستمرار في تبنيه نهجا يفاقم الانقسام المالي ويقوض الجهود الرامية إلى ضبط الإنفاق وفي السياق يرى أستاذ الاقتصاد الليبي عبد السلام زيدان أن الميزانية في ليبيا لم تكن يوما ملفا ماليا يدار بعيدا عن خضم الصراعات السياسية بل كان أداة أساسية من أدوات الصراع معللا ذلك بأن الموازنات المالية تعبر عن سؤال النفوذ من يقرر الإنفاق ومن يوجه الموارد ومن هذه الزاوية نبه زيدان إلى أن خطورة نشر قانون تخصيص 69 مليار دينار لصندوق التنمية في قلب الاشتباك السياسي القائم تكمن في توقيته ووظيفته لا في حجمه فقط وعلى الرغم من أن الخطة التنموية أقرت منذ يونيو الماضي فإن نشر قانونها الآن يقرأ بحسب زيدان كخطوة سياسية محسوبة وليس كإجراء إداري متأخر موضحا رأيه في حديثه لـالعربي الجديد بالقول إن اعتماد الخطة التنموية في يونيو الماضي كان أقرب إلى تثبيت حق سياسي مؤجل فيما يعكس نشر القانون الآن اختيار لحظة يراد فيها فرض الأمر الواقع بتوظيف اشتداد حالة الانسداد السياسي والضغط الاقتصادي مع تعثر مسارات خطة الطريق الأممية الحالية فنهج عقيلة صالح دوما ما كان ينشط وسط الأزمات المالية لتمرير قرارات ثقيلة لتقدم كضرورة للمرحلة لكن هدفها العميق يأتي في خضم إعادة ترتيب لموازين القوة ويحذر زيدان من جدول توزيع الميزانية على مدى ثلاث سنوات فالتقسيم إلى 25 مليار دينار في 2025 و23 مليارا في 2026 و21 مليارا في 2027 يجعل الخطة التنموية ترتب التزام طويل الأجل على اقتصاد يفتقر إلى ميزانية موحدة ورؤية مستقرة للإيرادات والأخطر أنه توزيع يقيد أي حكومة مقبلة ويربط المستقبل المالي للبلاد بالتزامات لم تبن على تقييم واقعي لقدرة الدولة على التحمل وتعاني البلاد من أخطار تزايد حجم الدين العام الذي تجاوز 270 مليار دينار حتى سبتمبر أيلول الماضي إذ من المرجح بلوغه 300 مليار بنهاية العام المنصرم ومن الآثار المباشرة لخطوة مجلس النواب كما يراها زيدان تعميق أزمة النقص الحاد في السيولة النقدية التي لم تعد أزمة نقد فقط بل أزمة ثقة لافتا إلى اتجاه الأفراد والتجارة لتحصين أنفسهم بالكاش والدولار ما يتسبب في توسع الاقتصاد غير الرسمي ويصبح عندها الأثر التنموي غير حقيقي بتبدد جزء كبير منه في الاستيراد والعمولات بدل أن يتحول إلى قيمة مضافة ويخلص زيدان إلى أن خطوة مجلس النواب في اتجاه إنفاذ قانون ميزانية صندوق التنمية تمثل تصعيدا جديدا في مراحل إدارة الصراع عبر الأدوات المالية ليطيل عمر الأزمة التي يستفيد منها الجميع للبقاء في السلطة حتى وإن رفعت الكلفة الاجتماعية والسياسية