لا تعود ذكرى الثورة في تونس مناسبة لاستحضار فعل جماعي حر بقدر ما أصبحت لحظة صراع على المعنى وعلى من يملك حق تعريف ما جرى ولماذا جرى ولمن ينسب فالثورة التي ولدت خارج الدولة وضد بنيتها السلطوية تستعاد اليوم داخل خطاب رسمي يسعى إلى تجريدها من بعدها التحرري وإعادة إدماجها في سردية حكم تقوم على الاختزال والانتقاء ولا يتعلق الأمر بنسيان عفوي أو ارتجال لغوي بل بعملية سطو رمزي منهجية تفرغ الثورة من مضمونها السياسي وتحولها إلى شعار قابل للتوظيف تقوم هذه العملية على فصل الثورة عن شروطها التاريخية والفكرية لأن ثورة 17 ديسمبر كانون الأول 2010 14 يناير كانون الثاني 2011 لم تكن انفجارا بلا سياق ولا حدثا عابرا يمكن اختزاله في الغضب وحده بل كانت نتيجة تراكم طويل من الاحتجاج الاجتماعي والنقاش الحقوقي والعمل السياسي والنقابي ونتاجا لفكرة مركزية مفادها بأن الدولة لا تكتسب شرعيتها إلا من مواطنيها وأن الكرامة ليست منحة بل حقا غير أن الخطاب السائد اليوم يتعامل مع الثورة بوصفها لحظة تصحيح أخلاقي لا تحولا سياسيا ويعيد تعريفها حالة تمرد على الفساد لا كفعل تأسيسي للمواطنة فيسهل عليه إدانة ما تلاها باسم الوفاء لها ويستطيع محاكمة نتائجها باسم تصحيح مسارها في هذا السياق تختزل الثورة في بعدها الاحتجاجي الأول ويجرد مسارها اللاحق من شرعيته وتقدم الدولة باعتبارها الوريث الطبيعي للثورة لا موضوع مساءلتها وهكذا تتحول الثورة من فعل ضد السلطة إلى رأسمال رمزي في يدها ومن حدث فتح المجال العام إلى مرجع يستخدم لتبرير إغلاقه وليس هذا التحول عرضيا بل يعكس منطق سلطة تشتغل على الرمزية بوصفها أداة ضبط أكثر مما تشتغل على السياسة بوصفها إدارة اختلاف وتنظيم مصالح والمفارقة أن هذا النظام الحالي في تونس ممثلا في الرئيس قيس سعيد لم يأت من خارج مسار ما بعد الثورة بل تشكل داخله واستفاد من أدواته وتقدم عبر لغته وتحدث باسمها لكنه لم يكن يوما نظاما ثوريا بالمعنى القيمي للكلمة فهو لم يتكون في الشارع ولم يتشكل عبر نضالات اجتماعية ممتدة ولم يحمل مشروعا لتحرير المجال العام أو إعادة توزيع السلطة بل تشكل داخل فراغات المرحلة الانتقالية وتغذى من خيباتها واستثمر في تآكل الثقة في الأحزاب والمؤسسات ثم أعاد توظيف الثورة بوصفها خطابا لا بوصفها التزاما ولهذا يتحدث باسم الثورة لا باعتبارها فعلا تحرريا قائما على الحرية والكرامة والخبز بل باعتبارها مرجعا أخلاقيا فضفاضا يستخدم لتجريم الخصوم وتبرير القرارات فتتحول الثورة في خطابه إلى لحظة غضب يفترض أن تنتهي بتفويض مطلق ولا تستعاد إلا لتأكيد سلطة مركزية ترى في نفسها الوصي الوحيد على الإرادة الشعبية استعادة الثورة لا تعني تمجيدها ولا تحنيطها بل إعادة ربطها بسؤالها المركزي كيف تدار السلطة ولمن تدار وبأي شروط تكشف الخيارات التي اتخذها النظام منذ تركيز السلطة بيده في 25 يوليو 2021 عن تناقض بنيوي مع القيم التي رفعتها الثورة لأن تضييق الحريات وتجفيف العمل الحزبي واستهداف المجتمع المدني وتهميش النقاش العام وإدارة الاقتصاد بمنطق الأوامر لا العدالة الاجتماعية كلها مسارات تناقض جوهر شعار حرية كرامة خبز فلا حرية بلا مجال عام مفتوح يضمن الاختلاف ولا كرامة مع محاكمات سياسية وتضييق على المعارضين وتخويف المجتمع من التعبير ولا خبز من دون سياسات اقتصادية واضحة تعالج التفاوت والفقر وتعيد بناء الثقة في مؤسسات الدولة بدل تحميل المجتمع كلفة الانسداد فكريا يكشف السطو على رمزية الثورة عن تصور للسياسة يقوم على نفي التعدد لأن الثورة في معناها العميق لحظة اعتراف بتعدد الفاعلين وتكافؤهم في المجال العام بينما يقوم هذا السطو على تحويلها إلى صوت واحد وتأويل واحد وإرادة واحدة وهذا ما يجعل الثورة في السردية السلطوية حدثا منتهيا لا مسارا مفتوحا وماضيا يستدعى عند الحاجة لا أفقا يبنى عليه فتفقد الذكرى وظيفتها معيارا للمحاسبة وتتحول إلى أداة لضبط المجتمع وإعادة تعريف الوطنية بوصفها طاعة لا يضعف هذا المسار الثورة فقط بل يفرغ السياسة من معناها لأن احتكار تأويل الثورة يعني احتكار حدود النقاش العام ومن ثم يصبح الاختلاف خطرا أخلاقيا لا خلافا سياسيا وتصبح المطالب الاجتماعية شبهة لا حقا ويتحول المجتمع إلى متلق ينتظر تفسير الدولة لما حدث ويقبل به بوصفه الحقيقة الوحيدة وعندما تدار الذاكرة بهذه الطريقة لا تعود السياسة مجالا للتفاوض حول المستقبل بل تصبح إدارة للماضي وفق حاجات السلطة وتصبح ذكرى الثورة مناسبة لإعادة ترتيب المجتمع حول الخوف بدل إعادة ترتيب الدولة حول الحقوق الثورة لم تكن يوما ملكا لأحد بل فعلا جماعيا لا يستقيم إلا بالحرية مع ذلك لا تموت الثورة بالاختزال ولا تلغى بالمصادرة الرمزية لأنها تعود في أشكال أخرى في الاحتجاج الاجتماعي حين ينفجر من جديد وفي رفض الظلم حين يتراكم وفي الدفاع عن الحرية حين تضيق مساحتها وفي مقاومة تحويل الدولة إلى كيان فوق المجتمع وليس عقدا معه وكل محاولة لاستخدام الثورة ضد قيمها الأساسية لا تؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع وتحويل الذكرى من لحظة جامعة إلى مناسبة تكشف أزمة المعنى وتكشف أيضا حدود الخطاب حين يعجز عن توفير حلول استعادة الثورة لا تعني تمجيدها ولا تحنيطها بل إعادة ربطها بسؤالها المركزي كيف تدار السلطة ولمن تدار وبأي شروط فالثورة لم تكن لحظة إجماع أبدي بل لحظة فتح للاختلاف وأي سلطة تخشى هذا الاختلاف وتسعى إلى احتكار معنى الثورة تعترف ضمنا بأنها فقدت القدرة على إنتاج شرعية جديدة خارج الرموز لهذا يصبح الوفاء للثورة اليوم عملا سياسيا لا احتفالا أي دفاعا عن المجال العام وعن الحق في التنظيم وعن استقلال القضاء وعن اقتصاد يعامل الناس مواطنين لا أرقاما في خطاب لا يكمن الخطر في نسيان الثورة بل في تحويلها أداة حكم لأن الدولة التي تحتكر الذاكرة وتعيد كتابة الثورة بما يخدم سلطتها لا تحمي الاستقرار بل تؤجل الصدام مع مجتمع يدرك أن الثورة لم تكن يوما ملكا لأحد بل فعلا جماعيا لا يستقيم إلا بالحرية ولا يستعاد إلا حين تعود السياسة إلى معناها البسيط حق المجتمع في أن يشارك ويحاسب ويختلف من دون خوف